ناصر بن الحسن الشريف الكيلاني

308

مجمع البحرين في شرح الفصين ( حكم الفصوص وحكم الفتوحات لابن عربي )

ورد في الحديث : « بعثت لمداراة الناس » « 1 » رواه البيهقي عن جابر رضي اللّه عنه . وفيه إشارة إلى ما ذكرناه من المداراة ، فلمّا أحالنا في العلم به تعالى على النظر في الحادث ، فعلمنا أنّا مطلوبون له لا لأنفسنا وأعياننا ؛ لأن الدليل مطلوب للمدلول لا لنفسه ، ولهذا لا يجتمع الدليل والمدلول أبدا ، فلا يجتمع الحق والخلق أبدا في وجه من الوجوه إذا جاء الحق زهق الباطل ، فالعبد عبد لنفسه ، والرب ربّ لنفسه ، فالموجود موجود ، والمعدوم معدوم . وذكر أنه أرانا آياته فيه : أي في الحادث ، وهو قوله تعالى : سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَ وَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ [ فصلت : 53 ] ، فأحالنا على الآفاق وهو ما خرج عنّا من الحوادث وعلى أنفسنا ، وهو ما نحن عليه وبه من حيث الحدوث . قال تعالى : وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَ فَلا تُبْصِرُونَ [ الذاريات : 21 ] ، فإذا وقفنا ، وعثرنا على الأمرين معا حينئذ عرفناه ، فتبين لنا أنه الحق . قال صاحب ذوق : في كلّ شيء له آية * تدلّ على أنّه واحد والعارف يقول في هذا المقام : ففي كل شيء لذاته تدل على أنه عينه ، ولكن دلالة الأمرين : أي الآفاق والأنفس مجموعا أتم وأعلى ؛ لحكمة سيظهرها لك إن شاء اللّه تعالى . وهي : أنّا إذا نظرنا في نفوسنا ابتداء لم نعلم هي يعطي النظر فيها ما يعطي النظر في الآفاق علما باللّه أم لا يعطيه نفوسنا ، فإذا نظرنا في نفوسنا حصل لنا من العلم به ما يحصل للناظر في الآفاق ، فإذا نظرنا جميعا ظهرت لنا حقيقة الأمر بلا مراء وشك ، فافهم .

--> ( 1 ) رواه ابن حبان ( 2 / 216 ) ، والطبراني في الأوسط ( 1 / 146 ) .